الأحد , فبراير 16 2020
الرئيسية / مقالات عامة / الرحلة الثالثة الغول الأسود – رحلات السندباد

الرحلة الثالثة الغول الأسود – رحلات السندباد

الرحلة الثالثة

(الغول الأسود)

من حكايات السندباد البحري وهي السفرة اعلموا يا إخواني واسمعوا مني حكاية فإنها أعجب من الحكايات المتقدمة قبل تاريخه والله أعلم بغيبة واحكم أني فيما مضى وتقدم، لما جئت من السفرة الثانية وأنا في غاية البسط والانشراح فرحان بالسلامة وقد كسبت مالاً كثيراً كما حكيت لكم أمس تاريخه، وقد عوض الله علي ما راح مني أقمت بمدينة بغداد مدة من الزمان، وأنا في غاية الحظ والصفاء والبسط والانشراح فاشتاقت نفسي إلى السفر والفرجة، وتشوقت إلى المتجر والكسب والفوائد والنفس أمارة بالسوء فهممت واشتريت شيئاً كثيراً من البضائع المناسبة لسفر البحر وحزمتها للسفر وسافرت بها من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة وجئت إلى ساحل البحر فرأيت مركباً عظيماً، وفيه تجار وركاب كثيرة أهل خير وناس ملاح طيبون أهل دين ومعروف وصلاح، فنزلت معهم في ذلك المركب وسافرنا على بركة الله تعالى بعونه وتوفيقه وقد استبشرنا بالخير والسلامة.

ولم نزل سائرين من بحر إلى بحر ومن جزيرة إلى جزيرة ومن مدينة إلى مدينة وفي كل مكان مررنا عليه نتفرج ونبيع ونشتري، ونحن في غاية الفرح والسرور، إلى أن كنا يوماً من الأيام سائرين في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج فإذا بالريس وهو جانب المركب ينظر إلى نواحي البحر ثم إنه لطم وجهه وطوى قلوع المركب ورمى مراسيه ونتف لحيته ومزق ثيابه وصاح صيحة عظيمة فقلنا له يا ريس ما الخبر فقال اعلموا يا ركاب السلامة أن الريح غلب علينا وعسف بنا في وسط البحر ورمتنا المقادير لسوء بختنا إلى جبل القرود، وما وصل إلى هذا المكان أحد، ولم يسلم منه قط وقد أحس قلبي بهلاكنا أجمعين.

فما استتم قول الريس حتى جاءنا القرود وأحاطوا المركب من كل جانب، وهم شيء كثير مثل الجراد المنتشر في المركب وعلى البر فخفنا إن قتلنا منهم أحداً أو طردناه أن يقتلونا لفرط كثرتهم والكثرة تغلب الشجاعة وبقينا خائفين منهم أن ينهبوا رزقنا ومتاعنا، وهم أقبح الوحوش وعليهم شعور مثل لبد الأسود، ورؤيتهم تفزع، ولا يفهم لهم أحد كلاماً ولا خيراً وهم مستوحشون من الناس صفر العيون وسود الوجوه صغار الخلقة، طول كل واحد منهم أربعة أشبار، وقد طلعوا على حبال المرساة وقطعوها بأسنانهم وقطعوا جميع حبال المركب من كل جانب، فمال المركب من الريح ورسى على جبلهم وصار المركب في برهم وقبضوا على جميع التجار والركاب وطلعوا إلى الجزيرة وأخذوا المركب بجميع ما كان فيه وراحوا به. فبينما نحن في تلك الجزيرة نأكل من أثمارها وبقولها وفواكهها ونشرب من الأنهار التي فيها إذ لاح لنا بيت عامر في وسط تلك الجزيرة فقصدناه ومشينا إليه فإذا هو قصر مشيد الأركان عالي الأسوار له باب بدرفتين مفتوح وهو من خشب الأبانوس فدخلنا باب ذلك القصر، فوجدنا له حظيراً واسعأً مثل الحوش الواسع الكبير وفي دائره أبواب كثيرة وفي صدره مصطبة عالية كبيرة وفيها أواني طبيخ معلقة على الكوانين، وحواليها عظام كثيرة ولم نر فيها أحد فتعجبنا من ذلك غاية العجب، وجلسنا في حضير ذلك القصر. قليلاً ثم بعد ذلك نمنا ولم نزل نائمين من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، وإذ بالأرض قد ارتجت من تحتنا وسمعنا دوياً من الجو، وقد نزل علينا من أعلى القصر شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان، وهو أسود اللون طويل القامة كأنه نحلة عظيمة، وله عينان كأنهما شعلتان من نار، وله أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل البئر وله مشافر مثل مشافر الجمل مرخية على صدره، وله أذنان مثل الحرامين مرخيتان على أكتافه وأظافر يديه مثل مخالب السبع فلما نظرناه على هذه الحالة غبنا عن وجودنا وقوي خوفنا واشتد فزعنا وصرنا مثل الموتى من شدة الخوف والجزع والفزع.

 فلما نزل على الأرض جلس قليلاً على المصطبة، ثم إنه قام وجاء عندنا، ثم قبض على يدي من بين أصحابي التجار ورفعني بيده عن الأرض وحبسني وقلبني فصرت في يده مثل اللقمة الصغيرة وصار يحبسني مثل ما يحبس الجزار ذبيحة الغنم فوجدني ضعيفاً من كثرة القهر، هزيلاً من كثرة التعب والسفر، وليس في شيء من اللحم فأطلقني من يده، وأخذ واحداً غيري من رفاقي وقلبه كما قلبني وحبسه كما حبسني وأطلقه، ولم يزل يحبسنا ويقلبنا واحداً بعد واحد إلى أن وصل إلى ريس المركب الذي كنا فيه وكان رجلاً سميناً غليظاً عريض الأكتاف صاحب قوة وشدة فأعجبه وقبض عليه مثل ما يقبض الجزار على ذبيحته، ورماه على الأرض ووضع رجله على رقبته، وجاء بسيخ طويل فأدخله في حلقه حتى أخرجه من دبره، وأوقد ناراً شديدة وركب عليها ذلك السيخ المشكوك فيه الريس، ولم يزل يقلبه على الجمر حتى استوى لحمه وأطلعه من النار وحطه أمامه وفسخه كما يفسخ الرجل الفرخة. وصار يقطع لحمه بأظافره ويأكل منه ولم يزل على هذه الحالة حتى أكل لحمه ونهش عظمه. ولم يبق منه شيئاً ورمى باقي العظام في جنب القصر.

ثم إنه جلس قليلاً وانطرح ونام على تلك المصطبة وصار يشخر مثل شخير الخروف أو البهيمة المذبوحة ولم يزل نائماً إلى الصباح، ثم قام وخرج إلى حال سبيله. فلما تحققنا بعده تحدثنا مع بعضنا وبكينا على أرواحنا وقلنا ليتنا غرقنا في البحر وأكلتنا القرود خير من شوي الإنسان على الجمر والله إن هذا الموت رديء ولكن ما شاء الله كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لقد متنا كمداً ولم يدر بنا أحد وما بقي لنا نجاة من هذا المكان.

ثم إننا قمنا وخرجنا إلى الجزيرة لننظر لنا مكان نختفي فيه أو نهرب وقد هان علينا أن نموت ولا يشوى لحمنا بالنار، فلم نجد مكان نختفي فيه وقد أدركنا المساء فعدنا إلى القصر من شدة خوفنا وجلسنا قليلاً وإذا بالأرض قد ارتجفت من تحتنا وأقبل ذلك الشخص الأسود وجاء عندنا وصار يقلبنا واحداً بعد الآخر مثل المرة الأولى ويحبسنا حتى أعجبه واحد.

فقبض عليه وفعل به مثل ما فعل بالريس في أول يوم فشواه وأكله على تلك المصطبة ولم يزل نائماً في تلك الليلة وهو يشخر مثل الذبيحة فلما طلع النهار قام وراح إلى حال سبيله وتركنا على جري عادته، فاجتمعنا وتحدثنا وقلنا لبعضنا والله لأن نلقي أنفسنا في البحر ونموت غرقاً خير من أن نموت حرقاً، لأن هذه قتلة شنيعة فقال واحد منا اسمعوا كلامي أننا نحتال عليه ونرتاح من همه ونريح المسلمين من عدوانه وظلمه. فقلت لهم اسمعوا يا إخواني إن كان لابد من قتله فإننا نحول هذا الخشب وننقل شيئاً من هذا الحطب ونعمل لنا فلكاً مثل المركب وبعد ذلك نحتال في قتله وننزل في الفلك ونروح في البحر إلى أي محل يريده الله. وإننا نقعد في هذا المكان حتى يمر علينا مركب فننزل فيه، وإن لم نقدر على قتله ننزل ونروح في البحر ولو كنا نغرق نرتاح من شوينا على النار ومن الذبح، وإن سلمنا سلمنا وإن غرقنا متنا شهداء.

فقالوا جميعاً، والله هذا رأي سديد وفعل رشيد واتفقنا على هذا الأمر وشرعنا في فعله فنقلنا الأخشاب إلى خارج القصر، وصنعنا فلكاً وربطناه على جانب البحر ونزلنا فيه شيئاً من الزاد وعدنا إلى القصر.

فلما كان وقت المساء إذا بالأرض قد ارتجفت بنا ودخل علينا الأسود وهو كأنه الكلب العقور، ثم قلبنا وحبسنا واحداً بعد واحد ثم أخذ واحداً وفعل به مثل ما فعل بسابقيه، وأكله ونام على المصطبة وصار شخيره مثل الرعد، فنهضنا وقمنا وأخذنا سيخين من حديد من الأسياخ المنصوبة ووضعناهما في النار القوية حتى احمرا وصارا مثل الجمر، وقبضنا عليهما قبضاً شديداً، وجئنا بهما إلى ذلك الأسود وهو نائم يشخر ووضعناهما في عينيه واتكأنا عليهما جميعاً بقوتنا وعزمنا، فأدخلناهما في عينيه وهو نائم فانطمستا وصاح صيحة عظيمة فارتعبت قلوبنا منه.

ثم قام من فوق تلك المصطبة بعزمه وصار يفتش علينا ونحن نهرب منه يميناً وشمالاً فلم ينظرنا وقد عمي بصره فخفنا منه مخافة شديدة وأيسنا في تلك الساعة بالهلاك ويأسنا من النجاة فعند ذلك قصد الباب وهو يتحسس وخرج منه وهو يصيح ونحن في غاية الرعب منه، وإذا بالأرض ترتج من تحتنا من شدة صوته.

فلما خرج من القصر وراح إلى حال سبيله وهو يدور علينا، ثم إنه رجع ومعه أنثى أكبر وأوحش منه خلقة، فلما رأيناه والذي معه أفظع حالة منه خفنا غاية الخوف، فلما رأونا أسرعنا ونهضنا ففككنا الفلك الذي صنعناه ونزلنا فيه ودفعناه في البحر، وكان مع كل واحد منهم صخرة عظيمة وصارا يرجماننا بها إلى أن مات أكثرنا من الرجم وبقي منا ثلاثة أشخاص  فطلع بنا الفلك إلى جزيرة،  فمشينا إلى آخر النهار فدخل علينا ونحن على هذه الحالة فنمنا قليلاً واستيقظنا من نومنا وإذا بثعبان عظيم الخلقة كبير الجثة واسع الجوف قد أحاط بنا وقصد واحداً فبلعه إلى أكتافه ثم بلع باقيه فسمعنا أضلاعه تتكسر في بطنه وراح في حال سبيله، فتعجبنا من ذلك غاية العجب وحزنا على رفيقنا، وصرنا في غاية الخوف على أنفسنا وقلنا والله هذا أمر عجيب وكل موتة أشنع من السابقة، وكنا فرحنا بسلامتنا من الأسود فما تمت الفرحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله قد نجونا من الأسود ومن الغرق فكيف تكون نجاتنا من هذه الآفة المشؤومة ثم إننا قمنا فمشينا في الجزيرة وأكلنا من ثمرها وشربنا من أنهارها ولم نزل فيها إلى وقت المساء فوجدنا صخرة عظيمة عالية فطلعناها ونمنا فوقها وقد طلعت أنا على فروعها.

فلما دخل الليل وأظلم الوقت جاء الثعبان وتلفت يميناً وشمالاً ثم إنه قصد تلك الشجرة التي نحن عليها، ومشى حتى وصل إلى رفيقي وبلعه حتى أكتافه والتف به على الشجرة فسمعت عظامه تتكسر في بطنه، ثم بلعه بتمامه وأنا أنظر بعيني، ثم إن الثعبان نزل من فوق الشجرة وراح إلى حال سبيله، ولم أزل على تلك الشجرة في تلك الليلة. فلما طلع النهار وبان النور ونزلت من فوق الشجرة وأنا مثل الميت من كثرة الخوف والفزع وأردت أن ألقي بنفسي في البحر وأستريح من الدنيا، فلم تهن علي روحي لأن الروح عزيزة، فربطت خشبة عريضة على أقدامي بالعرض وربطت واحدة مثلها على جنبي الشمال ومثلها على جنبي اليمين ومثلها على بطني، وربطت واحدة طويلة عريضة من فوق رأسي بالعرض مثل التي تحت أقدامي وصرت أنا في وسط هذا الخشب وهو محتاط بي من كل جانب وقد شددت ذلك شداً وثيقاً وألقيت نفسي بالجميع على الأرض، فصرت نائماً بين تلك الأخشاب وهي محيطة بي كالمقصورة.

فلما أمسى الليل أقبل الثعبان على جري عادته، ونظر إلي وقصدني فلم يقدر أن يبلغني وأنا على تلك الحالة والأخشاب حولي من كل جانب، فدار الثعبان حولي فلم يستطع الوصول إلي وأنا أنظر بعيني وقد صرت كالميت من شدة الخوف والفزع وصار الثعبان يبعد عني ويعود إلي، ولم يزل على هذه الحالة وكلما أراد الوصول إلي ليبتلعني تمنعه تلك الأخشاب المشدودة علي من كل جانب ولم يزل كذلك من غروب الشمس إلى أن طلع الفجر وبان النور وأشرقت الشمس، فمضى الثعبان إلى حال سبيله وهو في غاية من القهر والغيظ.
فعند ذلك مددت يدي وفككت نفسي من تلك الأخشاب وأنا في حكم الأموات من شدة ماقاسيت من ذلك الثعبان، ثم إني قمت ومشيت في الجزيرة حتى انتهيت إلى آخرها، فلاحت لي مني التفاتة إلى ناحية البحر فرأيت مركباً على بعد في وسط اللجة، فأخذت فرعاً كبيراً من شجرة ولوحت به إلى ناحيتهم وأنا أصيح عليهم.

فلما رأوني قالوا لابد أننا ننظر ما يكون هذا لعله إنسان، إنهم قربوا مني وسمعوا صياحي عليهم فجاءوا إلي وأخذوني معهم في المركب وسألوني عن حالي، فأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره وماقاسيته من الشدائد فتعجبوا من ذلك غاية العجب، ثم إنهم ألبسوني من عندهم ثياباً وستروا عورتي.

وبعد ذلك قدموا لي شيئاً من الزاد حتى اكتفيت وسقوني ماء بارداً عذباً فانتعش قلبي وارتاحت نفسي وحصل لي راحة عظيمة وأحياني الله تعالى بعد موتي فحمدت الله تعالى على نعمه الوافرة وشكرته وقويت همتي بعدما كنت أيقنت بالهلاك حتى تخيل لي أن جميع ما أنا فيه منام، ولم نزل سائرين وقد طاب لنا الريح بإذن الله تعالى إلى أن أشرفنا على جزيرة يقال لها جزيرة السلاهطة فأوقف الريس المركب عليها.


(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

 فنزل منه جميع التجار فالتفت إلي صاحب المركب وقال لي اسمع كلامي أنت رجل غريب فقير، وقد أخبرتنا أنك قاسيت أهوالاً كثيرة، ومرادي أنفعك بشيء يعينك على الوصول إلى بلادك وتبقى تدعو لي، فقلت له نعم ولك مني الدعاء.

فقال اعلم أنه كان معنا رجل مسافر فقدناه ولم نعلم هل بالحياة أم مات ولم نسمع عنه خبراً، ومرادي أن أدفع لك حمولة لتبيعها في هذه الجزيرة وتحفظها وأعطيك شيئاً في نظير تعبك وخدمتك، وما بقي منها نأخذه إلى أن تعود إلى مدينة بغداد فنسأل عن أهله وندفع إليهم بقيتها وثمن ما بيع منها فهل لك أن تتسلمها وتنزل بها هذه الجزيرة فتبيعها مثل التجار، فقلت سمعاً وطاعة لك يا سيدي ولك الفضل والجميل ودعوت له وشكرته على ذلك فعند ذلك أمر الحالين والبحرية بإخراج تلك البضائع إلى الجزيرة، وأن يسلموها إلي.

فقال كاتب المركب يا ريس ما هذه الحمول التي أخرجها البحرية، والحمالون واكتبها باسم من من التجار. فقال اكتب عليها اسم السندباد البحري الذي كان معنا وغرق في الجزيرة ولم يأتنا عنه خبر، فنريد أن يبيعها هذا الغريب ونحمل ثمنها ونعطيه شيئاً منه نظير تعبه وبيعه، والباقي نحمله معنا حتى نرجع إلى مدينة بغداد، فإن وجدناه أعطيناه إياه وإن لم نجده ندفعه إلى أهله في مدينة بغداد فقال الكاتب كلامك مليح ورأيك رجيح. فلما سمعت كلام الريس وهو يذكر أن الحمول باسمي، قلت في نفسي والله أنا السندباد البحري وأنا غرقت في الجزيرة مع جملة من غرق ثم إني تجلدت وصبرت إلى أن طلع التجار من المركب واجتمعوا يتحدثون ويتذاكرون في أمور البيع والشراء، فتقدمت إلى صاحب المركب وقلت له يا سيدي هل تعرف كيف كان صاحب الحمول التي سلمتها إلي لأبيعها؟ فقال لي لا أعلم له حالاً ولكنه كان رجلاً من مدينة بغداد يقال له السندباد البحري وقد أرسينا على جزيرة من الجزائر، فغرق منا فيها خلق كثير وفقد بجملتهم ولم نعلم له خبراً إلى هذا الوقت.

فعند ذلك صرخت صرخة عظيمة وقلت له يا ريس السلامة اعلم أني أنا السندباد البحري لم أغرق، ولكن لما أرسيت على الجزيرة وطلع التجار والركاب طلعت أنا مع جملة الناس ومعي شيء آكله بجانب الجزيرة، ثم إني تلذذت بالجلوس في ذلك المكان، فأخذتني سنة من النوم فنمت وغرقت في النوم، ثم إني قمت فلم أجد المركب ولم أجد أحداً عندي وهذا المال مالي وهذه البضائع بضائعي وجميع التجار الذين يجلبون حجر الألماس رأوني وأنا في جبل الألماس ويشهدون لي بأني أنا السندباد البحري كما أخبرتهم بقصتي وما جرى لي معكم في المركب وأخبرتكم بأنكم نسيتموني في الجزيرة نائماً وقمت فلم أجد أحداً وجرى لي ما جرى.

فلما سمع التجار والركاب كلامي اجتمعوا علي، فمنهم من صدقني ومنهم من كذبني فبينما نحن كذلك وإذا بتاجر من التجار حين سمعني أذكر وادي الألماس نهض وتقدم عندي وقال لهم اسمعوا يا جماعة كلامي إني لما كنت ذكرت لكم أعجب ما رأيت في أسفاري لما ألقينا الذبائح في وادي الألماس وألقيت ذبيحتي معهم على جري عادتي طلع على ذبيحتي رجل متعلق بها ولم تصدقوني بل كذبتموني، فقالوا له نعم حكيت لنا على هذا الأمر ولم نصدقك، فقال لهم التاجر هذا الذي تعلق في ذبيحتي وقد أعطاني شيء من حجر الألماس الغالي الثمن الذي لا يوجد نظيره، وعوضني أكثر ما كان يطلع لي في ذبيحتي، وقد استصحبه معي إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة، وبعد ذلك توجه إلى بلاده وودعنا ورجعنا إلى بلادنا وهو هذا، وأعلمنا أن اسمه السندباد البحري وقد أخبرنا بذهاب المركب وجلوسه في هذه الجزيرة، واعلموا أن هذا الرجل ما جاءنا هنا إلا لتصدقوا كلامي مما قلته لكم وهذه البضائع كلها رزقه، فإنه أخبر بها في وقت اجتماعه علينا وقد ظهر صدقه في قوله.

فلما سمع الريس كلام ذلك التاجر قام على حيله وجاء عندي وحقق في النظر ساعة وقال ما علامة بضائعك فقلت له اعلم أن علامة بضائعي ما هو كذا وكذا وقد أخبرته بأمر السندباد البحري فعانقني وسلم علي وهنأني بالسلامة وقال لي يا سيدي إن قصتك عجيبة وأمرك غريب، ولكن الحمد لله الذي جمع بيننا وبينك ورد بضائعك ومالك عليك.  قال فعند ذلك تصرفت في بضائعي بمعرفتي وربحت بضائعي في تلك السفرة شيئاً كثيراً وفرحت بذلك فرحاً عظيماً وهنأت بالسلامة وعاد مالي إلي، ولم نزل نبيع ونشتري في الجزائر إلى أن وصلنا إلى بلاد السندباد وبعنا فيها واشترينا ورأيت في ذلك البحر شيئاً كثيراً من العجائب والغرائب لا تعد ولا تحصى ومن جملة ما رأيت في ذلك البحر، سمكة على صفة البقرة وشيئاً على صفة الحمير ورأيت طيراً يخرج من صدف البحر. ويبيض ويفرخ على وجه الماء ولا يطلع من البحر على وجه الأرض أبداً. وبعد ذلك لم نزل مسافرين بإذن الله تعالى وقد طاب لنا الريح والسفر إلى أن وصلنا إلى اببصرة وقد أقمت فيها أياماً قلائل، وبعد ذلك جئت إلى مدينة بغداد فتوجهت إلى حارتي ودخلت بيتي وسلمت على أهلي وأصحابي وأصدقائي وقد فرحت بسلامتي وعودتي إلى بلادي وأهلي ومدينتي ودياري وتصدقت ووهبت وكسوت الأرامل والأيتام. وجمعت أصحابي وأحبابي ولم أزل على هذه الحالة في أكل وشرب ولهو وضرب وأنا آكل وأشر طيباً وأعاشر وأخالط وقد نسيت جميع ما جرى لي وما قاسيت من الشدائد والأهوال وكسبت شيئاً في هذه السفرة لا يعد ولا يحصى، وهذا أعجب ما رأيت في هذه السفرة وفي غد إن شاء الله تعالى تجيء إلي وأحكي لك حكاية السفرة الرابعة فإنها أعجب من هذه السفرات ثم إن السندباد البحري أمر بأن يدفعوا إليه مائة مثقال من الذهب على جري عادته وأمر بمد السماط فمدوه وتعشى الجماعة وهم يتعجبون من تلك الحكاية وما جرى فيها ثم إنهم بعد العشاء انصرفوا إلى حال سبيلهم، وقد أخذ السندباد الحمال ما أمر له من الذهب وانصرف إلى حال سبيله وهو متعجب مما سمعه من السندباد البحري وبات في بيته.

ولما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، قام السندباد الحمال وصلى الصبح وتمشى إلى السندباد البحري وقد دخل عليه وتلقاه بالفرح والانشراح وأجلسه عنده إلى أن حضر بقية أصحابه وقدموا الطعام فأكلوا وشربوا وانبسطوا فبدأهم بالكلام وحكى لهم
الرحلة الرابعة السندباد يدفن حيا – رحلات السندباد



——————————————————————————————————

حكاية السندباد

الرحلة الاولي الجزيرة المتحركة والخيول البحرية – رحلات السندباد

الرحلة الثانية وادي الألماس – رحلات السندباد

الرحلة الثالثة الغول الأسود – رحلات السندباد

الرحلة الرابعة السندباد يدفن حيا – رحلات السندباد

الرحلة الخامسة شيخ البحر – رحلات السندباد

الرحلة السادسة رحلة نهرية في كهف – رحلات السندباد

الرحلة السابعة والاخيرة مقبرة الافيال – رحلات السندباد

شاهد أيضاً

هل تستحوذ أبل على شركة ديزنى مقابل 200 مليار دولار؟

تمتلك شركة أبل احتياطى نقدى يصل إلى 237.1 مليار دولار، وهو المبلغ الضخم الذى يسمح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *